خواطر: رثاءُ الجسرِ وطُغْيانُ الفَراغِ على عهدِ الامتداد
بقلم: إياد بنسليمان

في فسحةٍ منبسطةٍ لا يُحاط بها، أقامت الأرض زمنًا وهي ترفع باطنها إلى فوق، تتوسّل بالتّمدّد، وتتوسّم الخير في ما يعلوها. كان هناك امتدادٌ هادئ، أرضٌ ترفع صمتها نحو الأعلى، وسقفٌ بعيد يلمع بما يكفي كي تُصدّق الجذور أنّ الضوء يعرف أسماءها.
وكان الضوء يقع عليها وقوعًا متتابعًا، فيغمر ظاهرها، ويتسرّب إلى مسالكها، حتى خُيّل إليها أنّ بينهما عهدًا قديماً، قِدمَ الكون في خلقه. وقد كانت الأيام تمضي خفيفة، كأنها لا تحتاج أن تُثبت شيئًا، وفي قلب التراب ميلٌ خفيّ يجعله يستيقظ كل مرة على إحساسٍ بأنّ السّماء تحترق شوقا في انتظاره.
على هذا الخيط عاشت، تُمهّد في داخلها طرقًا، وتُهيّئ لكلّ فصلٍ وجهته، كأنّ النهاية معروفة، وإن تأخّرت. ثمّ صفا الجوّ صفاءً لم تألفه، وانكشف الامتداد بلا ستر، فرأت السّماء ما خفي عنها في نشوتها: علوًّا قائمًا بنفسه، لا يلتفت، ولا ينتظر. هناك، تبدّد ذلك الغشاء الرقيق الذي كان يُجمّل التقاءً متخيّلًا، وانكشف امتدادٌ لا يلتقي، ولا ينوي اللقاء.
في تلك اللحظة، تسرّب من يدي الأرض ما كانت تُمسكه دون أن تشعر، وانقطع ما كانت تشدّ به أيامها إلى معنى بعيد.
السماء ظلّت في مكانها، واسعةً بما يكفي لنفسها، مكتفيةً بما فيها، لا ينقصها شيء حتّى تلتفت.
وفي الأسفل، تعثّرت الأرض بخطواتها الكثيرة. الطرق التي حفرتها بحنان، العلامات التي زرعتها كنجومٍ في ترابها، كلّها صارت تدور في دائرةٍ مغلقة، لا تُفضي إلّا إليها. كلّ ما أعدّته لمستقبلٍ مؤجَّل، بدا فائضًا عن الحاجة، كأنّه صُنع لوجهةٍ لا وجود لها.
الحقول التي كانت تُزهر لمجرّد الظن، أصابها صمتٌ ثقيل. والبذور، تلك التي كانت تُبادر بالحياة، بقيت ساكنة كأنّها تنتظر إذنًا لن يأتي.
في أعلاها، يمرّ الضوء كما يمرّ على سائر الأشياء، لا يخصّها، ولا يترك فيها بصمته المعتادة. وفي داخلها، أطفأت آخر نجمةٍ كانت تُرشدها، و تراكم في العمق حزنٌ مرير، يمضي في كيانها كما يمضي الليل في ماءٍ راكد. فيضٌ من العدم استقرّ بين طيّاتها، يمتدّ مع الجذور، ولا يبلغ حدًّا. لم تعد تعرف الأرض لأيّ جهةٍ تميل، ولا بأيّ اسمٍ تُسمّي ما يحدث فيها.
وهكذا، استقرّت في مكانها، لا انتظارَ فيها ولا سعي، وقد خلت يدها من كلّ خيط، وخمد فيها كلّ دليل.
Grateful!

